فصل: تفسير الآيات (4- 7):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التسهيل لعلوم التنزيل



.سورة البينة:

.تفسير الآيات (1- 3):

{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3)}
سورة لم يكن
ذكر الله الكفار ثم قسمهم إلى صنفين: أهل الكتاب والمشركين، وذكر أن جميعهم لم يكونوا منفكين حتى تأتيهم البينة، وتقوم عليهم الحجة ببعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى منفكين: منفصلين، ثم اختلف في هذا الانفصال على أربعة أقوال: أحدها أن المعنى لم يكونوا منفصلين عن كفرهم حتى تأتيهم لتقوم عليهم الحجة. الثاني لم يكونوا منفصلين عن معرفة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله. الثالث: اختاره ابن عطية وهو: لم يكونوا منفصلين عن نظر الله وقدرته، حتى يبعث الله إليهم رسولاً يقيم عليهم الحجة، الرابع: وهو الأظهر عندي أن المعنى لم يكونوا لينفصلوا من الدنيا حتى بعث الله لهم سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم فقامت عليهم الحجة، لأنهم لو انفصلت الدنيا دون بعثه: {لَقَالُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} [طه: 134] فلما بعث الله لم يبق لهم عذر ولا حجة، فمنفكين على هذا كقولك: لا تبرح أو لا تزول حتى يكون كذا وكذا {رَسُولٌ مِّنَ الله} يعني سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، وإعرابه بدل من البينة أو خبر ابتداء مضمر {يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً} يعني القرآن في صحفه {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} أي قيمة بالحق مستقيمة بالمعاني، ووزن قيّمة فيعلة وفيه مبالغة قال ابن عطية: هذا على حذف مضاف تقديره: فيها أحكام كتب ولا يحتاج هذا إلى الحذف لأن الكتب بمعنى المكتوبات.

.تفسير الآيات (4- 7):

{وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)}
{وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة} أي ما اختلفوا في نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ما علموا أنه حق، ويحتمل أن يريد تفرقهم في دينهم كقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب فاختلف فِيهِ} [فصلت: 45] وإنما خص الذين أوتوا الكتاب بالذكر هنا بعد ذكرهم مع غيرهم في أول السورة؛ لأنهم كانوا يعلمون صحة نبوّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بما يجدون في كتبهم من ذكره {وَمَآ أمروا} الآية: هنا معناها: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بعبادة الله، ولكنهم حرّفوا أو بدّلوا، ويحتمل أن يكون المعنى ما أمروا في القرآن إلا بعبادة الله، فلأيّ شيء ينكرونه ويكفرون به {مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} استدل المالكية بهذا على وجوب النية في الوضوء، وهو بعيد لأن الإخلاص هنا يراد به التوحيد وترك الشرك أو ترك الرياء، وذلك أن الإخلاص مطلوب في التوحيد وفي الأعمال، وهذا الإخلاص في التوحيد من الشرك الجلّي، وهذا الإخلاص في الأعمال من الشرك الخفيّ، وهو الرياء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرياء الشرك الأصغر» وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه إنه تعالى يقول: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشريكه».
واعلم أن الأعمال ثلاثة أنواع: مأمورات ومنهيات ومباحات، فأما المأمورات فالإخلاص فيها عبارة عن خلوص النية لوجه الله، بحيث لا يشوبها بنية أخرى، فإن كانت كذلك فالعمل خالص مقبول، وإن كانت النية لغير وجه الله، من طلب منفعة دنيوية، أو مدح أو غير ذلك فالعمل رياء محض مردود، وإن كانت النية مشتركة ففي ذلك تفصيل فيه نظر واحتمال. وأما المنهيات فإن تركها دون نية خرج عن عهدتها، ولم يكن له أجر في تركها وإن تركها بنية وجه الله حصل له الخروج عن عهدتها مع الأجر، وأما المباحات كالأكل والنوم والجماع وشبه ذلك فإن فعلها بغير نية لم يكن فيها أجر، وإن فعلها بنية وجه الله فله فيها أجر، فإن كل مباح يمكن أن يصير قُربَه إذا قصه به وجه الله مثل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة ويقصد بالجماع التعفف عن الحرام {حُنَفَآءَ} جمع حنيف وقد ذكر {وَذَلِكَ دِينُ القيمة} تقديره: الملة القيمة، أو الجماعة القيمة وقد فسرنا القيمة ومعناها أن الذي أمروا به من عبادة الله والإخلاص له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة هو دين الإسلام فلأيّ شيء لا يدخلون فيه؟ {البرية} الخلق لأن الله برأهم وأوجدهم بعد العدم. وقرأ بالهمز وهو الأصل بالياء وهو تخفيف من المهموز، وهو أكثر استعمالاً عند العرب.

.تفسير الآية رقم (8):

{جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)}
{رِّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} اختلف هل هذا في الدنيا أو في الآخرة؟ فرضاهم عن الله في الدنيا وهو الرضا بقضائه والرضا بدينه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً»، ورضاهم عنه في الآخرة: هو رضاهم بما أعطاهم الله فيها، أو رضا الله عنهم لما ورد في الحديث أن الله يقول: «يا أهل الجنة هل تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: يا ربنا وأي شيء نريد وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين. فيقول: عندي أفضل من ذلك وهو رضواني فلا أسخط عليكم أبداً» {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} أي لمن خافه وهذا دليل على فضل الخوف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خوف الله رأس كل حكمة.

.سورة الزلزلة:

.تفسير الآيات (1- 5):

{إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5)}
{إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض} أي حركت واهتزت {زِلْزَالَهَا} مصدر وإنما أضيف إليها تهويلاً كأنه يقول الزلزلة التي تليق بها على عظم جرمها {وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا} يعني الموتى الذين في جوفها، وذلك عند النفخة الثانية في الصور. وقيل: هي الكنوز وهذا ضعيف لأن إخراجها للكنوز وقت الدجال {وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا} أي يتعجب من شأنها فيحتمل أن يريد جنس الإنسان أو الكافر خاصة؛ لأنه الذي يرى حينئذ ما لا يظن {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} هذه عبارة عما يحدث فيها من الأهوال فهو مجاز وحديث بلسان الحال وقيل: هو شهادتها على الناس بما عملوا على ظهرها فهو حقيقة، وتُحدّث يتعدّى إلى مفعولين حذف المفعول منهما، والتقدير تحدث الخلق أخبارها، وانتزع بعض المحدثين من قوله: تُحدّثُ أخبارها أن قول المحدّث حدثنا وأخبرنا سواء، وهذه الجملة هي جواب إذا زلزلت وتحدث هو العامل في إذا. ويومئذ بدل من إذا ويجوز أن يكون العامل في إذا مضمر وتحدث عامل في يومئذ {بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا} الباء سببية متعلقة بتحدث أي تحدث بسبب أن الله أوحى لها، ويحتمل أن يكون بأن الله أوحى لها بدلاً من إخبارها وهذا كما تقول: حدثت كذا وحدثت بكذا، والمعنى على هذا تحدث بحديث الوحي لها، وهذا الوحي يحتمل أن يكون إلهاماً أو كلاماً بواسطة الملائكة ولها بمعنى إليها، وقيل: معناه أوحى إلى الملائكة من أجلها وهذا بعيد.

.تفسير الآيات (6- 8):

{يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)}
{يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً} مختلفين في أحوالهم، وواحد الأشتات شتيت، وصدر الناس: هو انصرافهم من موضع وردهم، فقيل: الورد هو الدفن في القبور والصَدْر: هو القيام للبعث. وقيل الورد القيام للحشر، والصدر الإنصراف إلى الجنة أو النار. وهذا أظهر. وفيه يعظم التفاوت بين أحوال الناس فيظهر كونهم أشتاتاً {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} المثقال هو الوزن والذرة هي النملة الصغيرة، والرؤية هنا ليست برؤية بصر وإنما هي عبارة عن الجزاء. وذكر الله مثقال الذرة تنبيهاً على ما هو أكثر منه من طريق الأولى، كأنه قال: من يعمل قليلاً أو كثيراً وهذه الآية هي في المؤمنين، لأن الكافر لا يجازى في الآخرة على حسناته، إذ لم تقبل منه. استدل أهل السنة بهذه الآية: أنه لا يخلد مؤمن في النار؛ لأنه إذا خلد لم ير ثواباً على إيمانه وعلى ما عمل من الحسنات، وروى «عن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب فقيل لها في ذلك؛ فقالت: كم فيها من مثقال ذرة»، وسمع رجلاً هذه الآية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حسبي الله لا أبالي أن أسمع غيرها» {وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} هذا على عمومه في حق الكافر، وأما المؤمنون فلا يجازون بذنوبهم إلا بستة شروط: وهي أن تكون ذنوبهم كبائر، وأن يموتوا قبل التوبة منها، وأن لا تكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها، وأن لا يشفع فيهم، وأن لا يكون ممن استحق المغفرة بعمل كأهل بدر، وأن لا يعفو الله عنهم فإن المؤمن العاصي في مشيئة الله إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له.

.سورة العاديات:

.تفسير الآيات (1- 5):

{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5)}
اختلف في العاديات والموريات والمغيرات هل يراد بها الخيل أو الإبل؟ وعلى القول بأنها الخيل اختلف هل يعني خيل المجاهدين أو الخيل على الاطلاق؟ وعلى القول بأنها الإبل اختلف هل يعني إبل غزوة بدر أو إبل المجاهدين مطلقاً، أو إبل الحجاج أو الإبل على الاطلاق؟ ومعنى العاديات التي تعدو في مشيها، والضبح هو تصويت جهير عند العدو الشديد، ليس بصهال. وهو مصدر منصوب على تقدير: يضبحن ضبحاً أو هو مصدر في موضع الحال تقديره: العاديات في حال ضبحها، والموريات من قولك أوريت النار إذا أوقدتها، والقدح هو صك الحجارة فيخرج منها شعلة نار. وذلك عند ضرب الأرض لأرجل الخيل أو الإبل، وإعراب قدحاً كإعراب صبحاً، والمغيرات من قولك: أغارات الخيل إذا خرجت للإغارة على الأعداء، وصبحاً ظرف زمان لأن عادة أهل الغارة في الأكثر أن يخرجوا في الصباح {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً} هذه الجملة معطوفة على العاديات وما بعده لأنه تقدير التي تعدو، والنقع: الغبار والضمير المجرور للوقت المذكور وهو الصبح، فالباء ظرفية أو لكان الذي تقتضيه المعنى، فالباء أيضاً ظرفية أو للعَدْو، وهو المصدر الذي يقتضيه العاديات. فالباء سببية، ومعنى أثرن حركن والضمير الفاعل للإبل أو للخيل أي حركن الغبار عند مشيهن {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً} معنى وسطن توسطن، وجمعاً اختلف هل المراد به جمع من الناس أو المزدلفة لأن اسمها جمع والضمير المجرور للوقت أو للمكان أو للعدو أو للنقع.

.تفسير الآيات (6- 11):

{إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)}
{إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} هذا جواب القسم والكنود الكفور للنعمة فالتقدير: إن الإنسان لنعمة ربه لكفور، والإنسان جنس، وقيل: الكنود العاصي، وقال بعض الصوفية: الكنود هو الذي يعبد الله على عوض {وَإِنَّهُ على ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} الضمير للإنسان أي هو شاهد على نفسه بكنوده، وقيل: هو الله تعالى على معنى التهديد: والأول أرجح لأن الضمير الذي بعده الإنسان بإتفاق، فيجري الكلام على نسق واحد {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير لَشَدِيدٌ} الخبر هنا المال، كقوله: {إِن تَرَكَ خَيْراً} [البقرة: 180] والمعنى أن الإنسان شديد الحب للمال، فهو ذم لحبه والحرص عليه، وقيل: الشديد: البخيل، والمعنى على هذا أنه بخيل من أجل حب المال، والأول أظهر، {إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القبور} اي بحث عند ذلك عبارة عن البعث {وَحُصِّلَ مَا فِي الصدور} أي جمع ما في الصحف وأظهر محصلاً أو ميز خيره من شره {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} الضمير في ربهم وبهم يعود على الإنسان، لأنه يراد به الجنس وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما أن هذه الجملة معمول {أفلا يعلم} فكان الأصل أن تفتح إن، ولكنها كسرت من أجل اللام التي في خبرها، الثاني: أن تكون هذه الجملة مستأنفة ويكون معمول {أفلا يعلم} محذوفاً ويكون الفاعل ضميراً يعود على الإنسان والتقدير: أفلا يعلم الإنسان حاله وما يكون منه إذا بعثر ما في القبور؟ وهذا هو الذي قاله ابن عطية: ويحتمل عندي أن يكون فاعل {أفلا يعلم} ضميراً يعود على الله، والمفعول محذوف والتقدير: أفلا يعلم الله أعمال الإنسان إذا بعثر ما في القبور، ثم استأنف قوله: {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} على وجه التأكيد، أو البيان للمعنى المتقدم، والعامل في إذا بعثر على هذا الوجه هو: أفلا يعلم، والعمل فيه على مقتضى قول ابن عطية هو المعفول المحذوف، وإذا هنا ظرفية بمعنى حين ووقت وليست بشرطية، والعامل في يومئذ خبير، وإنما حض ذلك بيوم القيامة لأنه يوم الجزاء بقصد التهديد، مع أن الله خبير على الإطلاق.

.سورة القارعة:

.تفسير الآيات (1- 5):

{الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5)}
{القارعة} من أسماء القيامة لأنها تقرع القلوب بهولها، وقيل: هي النفخة في الصور لأنها تقرع الأسماع {مَا القارعة} مبتدأ وخبر في موضع خبر القارعة، والمراد به تعظيم شأنها، كذلك {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة} {يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث} العامل في الظرف محذوف دل عليه القارعة تقديره، تقرع في يوم، والفراش هو الطير الصغير الذي يشبه البعوض، ويدور حول المصباح. والمبثوث هو المنتشر المفترق. شبّه الله الخلق يوم القيامة به في كثرتهم وانتشارهم وذلتهم، ويحتمل أنه شبههم به لتساقطهم في جهنم. كما يتساقط الفراش في المصباح. قال بعض العلماء: الناس في أول قيامهم من القبور كالفراش المبثوث، لأنهم يجيئون ويذهبون على غير نظام، ثم يدعوهم الداعي فيتوجهون إلى ناحية المحشر؛ فيكونون حينئذ كالجراد المنتشر. لأن الجراد يقصد إلى جهة واحدة، وقيل: الفراش هنا الجراد الصغير وهو ضعيف {وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش} العهن هو الصوف، وقيل: الصوف الأحمر وقيل: الصوف الملون ألواناً، شبّه الله الجبال يوم القيامة به، لأنها تنسف فتصير لينة، وعلى القول بأنه الملون يكون التشبيه أيضاً من طريق اختلاف ألوان الجبال؛ لأن منها بيضاء وحمراء وسوداء.

.تفسير الآيات (6- 11):

{فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)}
{مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} هو جمع ميزان أو جمع موزون، وميزان الأعمال يوم القيامة له لسان وكفتان عند الجمهور، وقال قوم: هو عبارة عن العدل {فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} معناه ذات رضا عند سيبويه: وثقل الموازين بكثرة الحسنات وخفتها بقلتها، ولا يخف ميزان مؤمن خفة موبقة لأن الإيمان يوزن فيه {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} فيه ثلاثة أقوال: أحدهما أن الهاوية جهنم سميت بذلك لأن الناس يهوون فيها أي يسقطون، وأمه معناه مأواه كقولك: المدينة أم فلان أي مسكنه على التشبيه بالأمّ الوالدة لأنها مأوى الولد ومرجعه. الثاني أن الأم هي الوالدة، وهاوية ساقطة وذلك عبارة عن هلاكه كقولك: أمه ثكلى إذا هلك، الثالث أن المعنى أم رأسه هاوية في جهنم، أي ساقطة فيها، لأنه يطرح فيها منكوساً، وروي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: لا أمّ لك. فقال: يا رسول الله تدعوني إلى الهدى وتقول لي لا أمّ لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أردت لا نار لك»، قال الله تعالى: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} وهذا يؤيد القول الأول {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} الهاء للسكت والضمير لجهنم على القول بأنها الهاوية، وهو للفعلة والخصلة التي يراد بها العذاب على القول الثاني والثالث، والمقصود تعظيمها ثم فسرها بقوله: {نَارٌ حَامِيَةٌ}.